الخميس , أغسطس 6 2020
الرئيسية / نبض الأقلام / كتب الدكتور سمير محمد ايوب عَنْهُنَّ أكتب – الجزء الثاني عشوائيات في الحب – العشوائية 40

كتب الدكتور سمير محمد ايوب عَنْهُنَّ أكتب – الجزء الثاني عشوائيات في الحب – العشوائية 40

كتب الدكتور سمير محمد ايوب
عَنْهُنَّ أكتب – الجزء الثاني
عشوائيات في الحب – العشوائية 40
قبل أن نبدأ بإعداد إفطار الرعيان ، إنتبّهتُ على بُحَّ

ةِ صوتِها وهي تسأل بجيرةٍ : ما بِكَ يا شيخي ، إلى أينَ سافَرَتْ روحُك ؟!
رفَعتُ رأسِيَ المُستَرخي بين كفَيَّ ، بِصمتٍ عانقت راحتايَ وجهي . وأصابعي نَكوشْتُ شعريَ . فَرْفَكْتُ عَيْنَيَّ وهي تحدِّقُ بقلقٍ فيهما مُكملةً : أراكَ تفيضُ بِحَزَنٍ صامتٍ . عيناك حمراوان . ألْمَحُ غَيْماً مُعْتَقلا في مآقيهِما .
قلتُ بعد تنهيدة عميقة : ما أصعب العيش في واقعين ضاغِطَين . واقعٌ هنا ، مُدجّجٌ بمختلفِ الأجِنْدَه . وثانٍ هناك ، ينحو خارج السيطرة نحو الأسوأ .
يجتاحني حنينٌ سرطانيٌّ بِلا قائد . لم تحجب جماليّاتُ المكان هنا ، رُزَمَ هواجسي السّوداويّة . إنّها تُمعنُ في قضمِ فرَحي ، وتعملُ حثيثاً للإطاحة بِمُمانعةِ وقاري المُتَهيّبِ مِنْ دمعِه ، والمُلتَزِم بالتخفيف مِنْ تَوجُّعِه .
قالت بِخجلٍ : ليَخفّ احمرارُ عينيك ، لا تُحاول ضبطَ دمْعَك . ألستَ مَنْ علَّمَني ذاتَ حَزَنٍ ، أنَّ بعضَ الدّمعِ حاجةٌ وبعضُه ضرورة ؟ ! صَمَتَتْ لِثوانٍ خِلْتُها دهرا ، قبل أنْ تُتابِع قائلة بتهذيبٍ بالغٍ : هل أبْتَعِدْ يا سيدي ، لتطلق سراح دمعك على سجيّتِه؟!
أشَحتُ وجهيَ عنها خجَلاً وأنا أقول : منذُ الّلحظةِ التي استقرّ بي المقامُ هُنا معكِ ، تمدّد بصريَ وتَجوّلَ في الاتجاهات الخمس . في قرى وادي الموجب وجبل شيحان وسهول قرى العمر والحمايدة والمجالي والقطرانه والاغوار والبحر الميت ، ولكنّي حينَ أمعنتُ النّظرَ في جبال الخليل أمامنا ، مَدّتْ فلسطينُ أصابعَ عبَقِها ، ومزّقتِ القشرةَ الخارجيةَ لِسجنِ روحي . فسافَرَت غربا إلى التَّوْأمِ المُعتَقلِ في أرضِه المُحتلّة . ولم يتبقّ داخل أسمالِ الشّرنقةِ إلا جسدٌ متعبٌ بالحنين . يُعاني منْ فوضى مشاعر . لَمْ يَعُد فَرَحي في هذه الجغرافيا المُتَماسِكةِ حاكِماً بأمْرِه لوحده . ذكّرَني السياقُ هُنا ، بِسياقِ الصّبا هناك .
قالت مُتعجّبةً : ورأسُك بينَ راحتَيك ، أحسَستُ أنّك تُنْصِتٌ لشيء . بلْ ظنَنْتُك تُحاورُه . سمِعتُك تُتَمْتِمُ بأشياءَ لمْ أتَبيّنَها .
قلتُ مُستَسلما : نعم كنتُ مُمتلِئاً بِصوتِ مُنادٍ ، يُهاتِفُني من بعيدِ السّنينِ في أقصى فلسطين .
قالت مُتلهّفَةً : وما كان يقولُ لَك ؟
قلتُ بمزيجٍ من الأسى والفرح : بوميضِ عينيه وشعره الأبيض ، بلسانه وشفتيه وأصابعه العشر ، كان يُكرّرُ : سمير ، لو قلتُ لكَ تعالَ … قاطعتني بلهفة ، نبرتُها أعلى من سابِقَتِها : وبماذا أجَبتَه ؟
– لم أدَعْ مُحي الدين يُكملُ سؤالَه ، بل قاطعتُه قائلا : أطلقُ العنانَ لساقيَّ بلا تردّدٍ. وبِكلّ خيلاءِ العمرِ أركضُ إليك . و من كلِّ منافي الأرض باشتهاءٍ آجيؤكَ . فكلُّ الذي أنتظرُهُ ، علامةً منكَ يا شقيقَ الروح .
سالَتْ بقلقٍ وهي تقف قُبالَتي : ولِمَ كلُّ هذه العَجَلة ؟
قلت مُبرّرا : لا لشي ، بلْ لِكلِّ شيء . صحيحٌ أنّ جُلّ أهلِ الدّمِ لمْ يَعودوا هناك ، وكثيرُ الصِّبْيةِ قد رحلوا بعد أن شابَتِ الذوائِبُ منهم , ولكنْ ، لي فيها ذكرياتٌ تملؤني ، وهي الآن كثيفةً الحضور . تتجلى هنا ، في تماثل الصور والتداعيات .
سمعتُ يا سيدتي صوتا أعرفه منذُ بواكيرِ الصّبا ، فاتِحاً ذراعيه على اتساعهما ، يحاول من البعيد إغوائي ، إن زرتني في شويكه يا سمير ، ستجدني أيّها الشقيّ ، حيث تركتَني قبل سبعين عاما . في حاكورة آل الشيخ غانم ، على الراس غربيّ البلد ، بين أشجار التين والزيتون واللوز والصبر ، الذي يفتَقِدُك ويسائلُني عنك .
يا رفيقَ الشّقاء والتّحدي ، ما زالتِ المسافةُ بين سقوط المطر ليلا ، وانبعاث أجمل ما في أرحام الأرض ، قصيرة كتلك التي بين حيفا ، وما يقابلها من شويكه ، دار نايف البَرهم ، وقاع وادي الشام ، وجميزة سعيد العبد الله ، وبيت سيدي أبو صلاح وأم الشرايط ، وخلة المهادْوِه ، وبير المسناوي ، وبيوت آل نايفه وآل أبو صالح .
وإن سألتَني عن قوسِ قُزح ، أطمئنُك على أنّه ما زال لا يُخلِفُ الميعاد . قبلَ أنْ يُطلّ كلَّ صبحٍ عَلينا ، يَغتَسل بلا ضجرٍ بماء الليل ، وبقطرِ النّدى يتوضّأ ، لِيَؤمَّ الطازجين من تابعيه وتابعيهم ، من الزّهر والحنّون والنّوار والرّنجس ، ويتعطر بالزعتر والشجّيرة والخبّيزة والعِلِتّْ والطّيّون ، ويتزيّن بالخُرفيشِ والسّنّارية والقرّيص . وتحفُّ به أسراب الحساسين واللامي والرّكش ، وعصافير اللوز والتين ، والحجل والشنار والسمان ، والهداهد وعروس التركمان والسنونو .
تهدّجَ صوتيَ واختنقتُ وأنا أقول : آهٍ يا ابنة كرَك مؤتة وميشع المُؤابي ، فأنتِ مِمَّن يُتْقِنونَ فهمَ معانيَ السُّكنى في قارورَتيّ عِطرٍ في آن ! وكلٌّ منهما تُصغي لوجود الآخر وإن صَمَتْ .
قالت وهي تقدم لي كوبا من الشاي الطازج : لا أنسى لك قولا يفيد ، بأنّ الأوطان كالحب ، صفحاتٌ لا تُفهَمُ بالقدرة المادية للعقل وفذلكاته وحدها ، بل بالقلب المُحلّق تُعرَف . وبالفؤاد المُرَفْرِفِ في أجوائها ، يُتَلقّفُ كُنهَها . العقول الخائفة من الوحدة ، تشتري الوقت وتحترف التضليل وتعويم الأزمات . تبريرا لقبولها مُساكَنةَ القلق ، وأبعاضَ حقوقٍ غامضةٍ ، وأشباهَ حبٍّ مشبوه .
يا شيخي ، وقد تعلّمتُم بناء دُروبكم ، لا تؤجّلوا الاقتراب من طفولتِكم ، ومن صباكم وبواكير شبابكم ، ولا تُقايِضوا الدّم بالوهم ، وكي لا تعيشوا زيف قلوبٍ مُختَنقةٍ ، أعيدوا ترميم ما احتجب من مشاهد الذاكرة ، وترتيبَ أولويّاتِها . وبالِغوا في السّيرِ على طريق الوصول ، فحتى أشعة الشمس في شويكة وكل فلسطين ، تعرف أنّ أرضَ الغدِ لكم ، ولن تليقَ إلاّ بأمثالِكُم .
الأردن – 15/6/2020

عن سوسن الخطيب

رئيسة تحرير وكالة شبيب

شاهد أيضاً

نلتزم بالحجر من أجلهم

  شبيب_ نلتزم بالحجر من أجلهم رشا نعيرات انه ليس الخوف من المرض ما يؤرقنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by wp-copyrightpro.com