السبت , مايو 30 2020
الرئيسية / دين ودنيا / إنه الحل الذي بحث عنه الجميع…

إنه الحل الذي بحث عنه الجميع…

 

شبيب_

بقلم الشيخ الأستاذ:

محمد علي سالم المحارمة

إنه الحل الذي بحث عنه الجميع»
سمعت أحدهم يصف ما يحدث بعدما عجز عن إيجاد الحلول « انتَهت حلْولُ الأرض الأمرُ مترُوك للسمَاء »
نعم،صدق فيما قال :الحل بيد الله الذي خلق السموات والأرض ،إن الذي حلَّ بالأمة اليوم ما هو إلا ابتلاء الأمم
فكانت من سنة الله أن يبتلي الأمم بسراء والضراء،
والله أراد من الابتلاء الرجوع إليه والإنابة إليه قال تعالى«فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم»،يقول الطبري في تفسيره:فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عندما أخذِناهم بالبأساء والضراء ” تضرعوا “، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته, فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه.
نعم الحل بيد الله عجز الأطباء وعجز المفكرون وعجز علماء العرب والغرب عن إيجاد حل لهذا الوباء الذي اجتاح البشرية حتى أن الأرض توقفت وكأنها في فترة استراحة من أعمال البشر وكأن عنوانها«استراحة محارب»
الحل بتقرب إلى الله والتوبة إليه ودعاءه والاستكانة له وتضرع له والخضوع له والاعتراف بقدرته هذا هو الحل
◻يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:
في سنة 478 هجري، وفيها :
” كثرت الأمراض بالحمى والطاعون بالعراق والحجاز والشام، وأعقب ذلك موت الفجأة، ثم ماتت الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، حتى عزّت الألبان واللحوم ..
وفي ربيع الأول هاجت ريح سوداء وسفّت رملا ، وتساقطت أشجار كثيرة من النخل وغيرها، ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن بعض الناس أن القيامة قد قامت، وفيها :
خرج توقيع الخليفة المقتدي بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل محلة، وإلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد، أثابه الله ورحمه ..
ثم انجلى ذلك ولله الحمد “.
📔البداية والنهاية ( 11 / 140 )
قد يتساءل البعض هل حدث مثل هذا في التاريخ
إليك بعض الأحداث..
👈جائحة مكية
وقد ذكرت كتب التاريخ الإسلاميّ تعطيل المساجد بسبب الأوبئة مرارًا، ولم يسلم من ذلك مكة المكرّمة نفسها والبيت الحرام؛ فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر (ت 852هـ) -في كتابه ‘إنباء الغُمْر بأبناء العمر‘- ضمن وقائع سنة 827هـ، فقال: “وفي أوائل هذه السنة وقع بمكة وباء عظيم بحيث مات في كل يوم أربعون نفساً، وحصر من مات في ربيع الأول ألفاً وسبعمئة، ويقال إن إمام المقام (= مقام إبراهيم وكان أتباع المذهب الشافعي يقيمون عنده صلواتهم) لم يصل معه في تلك الأيام إلا اثنان، وبقية الأئمة [من المذاهب الأخرى] بطلوا [الصلاة] لعدم من يصلي معهم”.

ولا أدري إن كان هذا التعطيل شبه الكلي للصلاة بالحرم المكي وقع قهرًا بسبب الموت والمرض وانشغال الناس برعاية مرضاهم ودفن موتاهم، أم أحجم الناسُ عن التجمّع خوفًا من العدوى، وعدد الوفيات 1700 في شهرين أو ثلاثة لا يدلّ على أنّ الموت والمرض منعا الناس عن المساجد إلى هذه الدرجة؛ فالأرجح أنهم امتنعوا خشية العدوى.

👈وقبل ذلك بقرون؛ يخبرنا ابن عذاري المراكشي (ت 695هـ) -في ‘البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب‘- أنه وقع في تونس وباءٌ عظيم سنة 395هـ، فتسبب في “شدة عظيمة انكشف فيها الستور…، وغلت الأسعار، وعُدِم القوات…، وهلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج، فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت…، وخلت المساجد بمدينة القيروان”.

👈وبالأندلس وقع شبيهٌ بهذا؛ فقد ذكر الإمام الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- أحداث سنة 448هـ فقال: “وفيها كان القحط العظيم بالأندلس والوباء، ومات الخلق بإشبيلية بحيث إن المساجد بقيت مُغلقة ما لها من يصلي بها”. وذكر أيضا -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه في هذه السنة “كان القحط عظيما.. بالأندلس، وما عُهد قحط ولا وباء مثله بقرطبة، حتى بقيت المساجد مغلقة بلا مُصَلِّ، وسُمي عام الجوع الكبير”.

👈وفي السنة الموالية (سنة 449هـ)؛ يقدم لنا ابن الجوزي تفاصيل فظيعة عن وباء عظيم سريع الانتشار والقتل، تفشى فيما يعرف اليوم بآسيا الوسطى وأفنى فيها نحو مليونين من البشر، ثم انتشر غربا حتى قارب أرض العراق؛ فيقول: “وفي جمادى الآخرة (سنة 449هـ) ورد كتاب من تجار ما وراء النهر [بأنه] قد وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد عن الحد، حتى إنه خرج من هذا الإقليم في يوم واحد ثمانية عشر ألف جنازة، وأحصي من مات -إلى أن كُتب هذا الكتاب- فكانوا ألف ألف وستمئة ألف وخمسين ألفا”!!

ويضيف هذا الإمام المؤرخ وكأنه يصف لنا أجواء عالمنا اليوم وقد خيّم عليه رعب “كورونا” فقضى عليه بالجمود والركود: “والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة، وطرقات خالية، وأبوابا مغلقة…، وطويت التجارات وأمور الدنيا، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات والتجهيز والدفن…، وخلت أكثر المساجد من الجماعات”!!
👈 الخلاصة وطرق النجاة..
يرفع الله البلاء جعل الله -تعالى- البلاء للإنسان كالدواء من داء الذنوب؛ ليطهّره ويرفعه ويربّي سلوكه، فإذا نزل البلاء على المؤمن علِم بأنّه نعمة من الله -تعالى- ليحمده ويصبر عليها، وهناك عبادات تساعد المسلم على رفع البلاء عنه، وبيان ذلك فيما يأتي: تقوى الله تعالى، فهي عبادة مأمور بها المسلم، حيث جعلها الله -تعالى- سبباً للفرج بعد الشدّة وكشْفاً للكرب بعد الضّيق، حيث قال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، فجعل الله -تعالى- دفع البلاء وكشف الهمّ للأتقياء من عباده. الدّعاء؛ حيث قال ابن القيّم عن بركة الدّعاء : (والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوّ البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل). كثرةُ الاستغفار؛ حيث قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، فكان الاستغفار أماناً من وقوع العذاب حتى بعد انعقاد أسبابه. الصّلاة بخشوع وحضور؛ حيث أوصى الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- المؤمنين إذا كُسفت الشمس أو خسف القمر أن يفزعوا إلى الصّلاة ليكشف الله -تعالى- عنهم ما أصابهم، وعمّم ذلك على كلّ مكروهٍ يصيب المؤمن؛ حيث قال: (فافزَعوا للصلاةِ)، وورد في رواية أخرى: (فصلُّوا حتى يُفرِّجَ اللهُ عنكم). الصّدقة؛ وهي من أهمّ ما يرفع البلاء عن المسلم، فقال ابن القيّم إنّ الصدقة ترفع البلاء حتّى عن الكافر والفاجر، وأوصى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- النّساء أن يتصدّقن وقرن ذلك بأنّ النّساء من أكثر أهل النّار، فكانت الصدقة سبباً لدفع بلاء عظيم جداً وهو عذاب الآخرة. حُسْن الظّن بالله إنّ أخطر ما يُصيب الإنسان عند وقوع البلاء أن يسيء الظّن بالله -تعالى- فييأس ويقنط ويعتقد أنّ هذا البلاء حلّ عليه دون حِكمةٍ وسبب، أو أنّه سيُلازمه لبقيّة حياته، والحقيقة أنّ العبد يتقلّب في معيّة الله ولطفه كلّ حين حتى وقت اشتداد البلاء، فموسى -عليه السّلام- وقومه حينما ظنّوا أنّ البحر من أمامهم وفرعون من خلفهم فيأس بعضهم وقال: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، فقال موسى -عليه السّلام- وهو في غاية الثقة بالله -تعالى- وحُسْن الظّن به: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )، فنجّى الله -تعالى- برحمته موسى وقومه من فرعون وجنوده عندما لجؤوا إليه واستعانوا به، ونوح -عليه السّلام- بعد الامتحان الذي عاشه بتكذيب قومه واستهزائهم به لم يقطع الرّجاء ولم يبتعد عن التضرّع لله -تعالى- بتحقيق النّصر وتفريج الهمّ، حيث قال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)، فلم يتأخّر فرجُ الله -تعالى- له، حيث قال الله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ*وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)، فكانت النّجاة لنوح -عليه السّلام- ومن آمن والهلاك لأهل الكفر، والأنبياء -عليهم السّلام- قدوة للمسلم وعلى إذا حلّ به كرب وبلاء أن يستعين بالله -تعالى- ويدعوه وهو يُحسن الظّن أنّ الفرج قريب.

عن admin

شاهد أيضاً

“ونخوفهم فما يزيدهم الا طغياناً كبيرا”

  شبيب_ بقلم ابراهيم ابو هاني.. لو أن أحداً أخبرنا قبل اسابيع معدودة فقط أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by wp-copyrightpro.com