الخميس , فبراير 20 2020
الرئيسية / نبض الأقلام / الأموات أيضًا يحلمون ….الفصل الثالث: عتاب الغارقَين ل~ أيمن الدولات

الأموات أيضًا يحلمون ….الفصل الثالث: عتاب الغارقَين ل~ أيمن الدولات

الفصل الثالث: عتاب الغارقَين

فتح نصف عينيه على يد تهزه برفق شديد وهمساتٍ رقيقة تحف سمعه ، استفاقت يده وأمسكت بنصف ما تبقى من قلبه ورفعته فوق رأسه محاولةً أن تجعله يعي شيئًا مما حوله ، قاومها بكل ما يملك من نوم وموت ، ولكن فضوله تغلب على عجزه فنهض مستطلعًا ما حوله فلم يجد أحدًا سوى بقايا جسده الممدد بلا روح ، ووقع ما وعى من عينيه على بضع وريقات ملفوفة بعناية بشكل اسطواني ، ونصف قبلة تُطل من زاوية تلاصقها.

ازداد فضوله ، فأمسك برسالتها وفتحها وبدأ يقرأ ما خطت يداها ، وكلما استرسل غارقًا في السطور تزداد دهشته وإنكاره لما يقرأ ، فقد كان ما يزال يؤمن أنه لم يفلت أصابعه من حولها يومَا ، بل أنها هي من استمرت بالتملص من بين يديه مثل كتلة هلامية ، حتى سقطت منه ذات يأس ، وانكفأت تتدحرج مبتعدة عنه بكل ما امتلكت من مرونة وكل ما استطاعت من عزم.

أشاح بوجهه قليلًا عن الأوراق المتناثرة أمامه مثل ذنب جميل ، وجمع كل ما فيه من تشظّي محاولًا أن يتذكر ملامحها بوضوح ، أمسك برأسه بين يديه وبدأ عقله يرسم شكل فمها الصغير وأنفها المدبب وعينيها اللامعتين ، وتلك التجاعيد على جبينها وتحت جفنيها ، وقد كانت الصور صافية وواضحة جلية ، ولكن ، كل على حدة ، ورغم كل محاولاته الجاهدة لتجميع صورة وجهها لم ينجح ، فقد كانت صورتها مجزأة الملامح في عقله ومتناثرة متباعدة في خياله ، حتى أبعاد جسدها لم يتمكن من تذكرها ، وفي كل مرة ينظر إليها يجدها تنقص شيئًا ما ، وتحتاج لكي تصبح امرأة حقيقية جزءًا ما!!

لقد كانت سيفًا من الحلوى شقه بحلاوته نصفين ، وخنجرًا من شمع العسل حطم حياته وفتت عمره إلى قطع متناثرة لا يمكن أن يستطيع جمعها بشر ، وبعد كل ذلك الموت الذي غطته به وتلك الغربة التي تجرعها من يدها مع سبق الإصرار والقصد والقسوة ، تريد أن تعتذر عن القتل برسالة ، وتعود إلى قلبه من الموت ببضع صفحات كُتبت في ساعة يأس وسقطة احتياج؟!

وهو إذ ما زال يتذكر أشياءها الحلوة ، لا يمكن أن ينسى أنه هو من صنعها ، نعم ، لقد كانت لا شيء ، لا أحد ، مجرد نكرة ممسوخة لا حياة فيها ، دميةٌ معروضة على واجهة الحياة للمشاهدة فقط ، فأمسك بها ونفخ في جسدها الذابل عطرًا وفرحًا وحياة ، ولقد أحبت منه احتواءه لها ، وعشقت فيه كفه التي حجبت عنها الريح والبرد والظلام ، وأعجبها منه قسوة الأب وعطف الابن وتفهم الأخ ورضى الحبيب ، فلبست أمامه الرداء الذي أراد أن يراها به ، وتقمصت في حضرته المرأة التي يحب ، ولكن دون إيمان ودون صدق ، اللهم سوى إيمان إلى حين ميسرة ، وصدق إلى حين انتفاء الحاجة.

لا ، هو لا يظلمها حين يحاكمها بهذا القانون ، ولا يجور عليها حين يحاججها بما فاض على فلتات لسانها هي ، ولا أحد آخر ، نعم ، هو لا يتذكر الآن منها ، سوى تلك السقطات التي انفلتت منها دون وعي ، وتلك الحماقات التي تسربت منها على يديه دون أن تشعر ، فقد وجدت فيه مشروعًا ناجحًا ؛ قرضًا ميسرًا دون فوائد ، ودون ضمانات حقيقية ، وفي النهاية أصبح حتى دون سداد !!

لقد جعلته دمية تتلاعب به كيفما شاءت ، ورصاصة تطلقها على من تشاء ، وأضحوكة تضحكها متى أرادت ، وأداة ترفيه تخرجها لتتسلى بها كلما شعرت بالملل والفراغ والاحتياج.

من المضحك حقًا كيف أن الإنسان يمكن أن يظن نفسه ماردًا لا يهزم ، وفارسًا لا يشق له غبار ، وعبقريًا من المستحيل خداعه ، وفي غفلة من غروره ، تحتال عليه بكل سهولة فراشة أو حمامة أو حتى سنبلة!!
ولقد مارست في قتالها معه كل تكتيكات الحرب الباردة ، دون أن تسمح له أن يمارس القتال ، وأشهرت في وجهه كل خنجر وقعت أنوثتها عليه وكل حجر امتلكه ضعفها وكل سهم طالته يد خنوعها وخضوعها.

لقد لبست أمامه ثوبًا من الطاعة وشالًا من الخضوع وسارت قرب قدميه حافية القدمين تدوس الأشواك ، منتظرة أن تصل به إلى حافة وادٍ أو إلى زاوية جرف ، حتى إذا ما أشاح بنظره عنها ذات تعب ، دفعته إلى الهاوية بيديها وقدميها بكل قسوة ودون أدنى تفكير بالرحمة أو الندم!!

لقد كانت تمثل عليه بإتقان ، فقد كانت تكذب عليه بكل صدق ، وتخونه بمنتهى الوفاء ، وتقتله جزءًا جزءًا بمنتهى الشفقة ، وتحب كل ما فيه بأقصى درجات الحقد والكره ، وقد كانت تكره خيانتها لحياتها معه ، وتحقد على كذبها على كل ما حولها من أجله ، ولم يكن ذنبه أنه كان يعيش مع نصف امرأة ، وأنه دون أن يدري كان بالنسبة إليها نصف موت ونصف حياة!!

منذ عرفها ، مارسا في حضرة بعضيهما كل ما كان ممنوعًا عليهما ، وفي السنوات الأولى كان هو الأمر الناهي ، والحاكم المطلق ، وكانت هي الجارية المطيعة ، والمحظية الراضية ، أو هكذا كانت تبدي له وكان غروره يريد أن يصدق ذلك!!
لقد كان مهووسًا بإصدار الأوامر وإعطاء التوجيهات ، وكانت هي تعشق تنفيذ أوامره وتوجيهاته ، كان هو بكل بساطة يعشق نفسه ، ويدلل ذاته ، ويبحث عن كل ما يرضيه ليجعله محيطًا به ، لم يكن يبحث عن عشق أو عن قصص درامية أو روايات خرافية ، لم يطمح يومًا أن يكون أميرًا إلا على نفسه ، ولم يجهد يومًا ليمتلك شيئًا أو أحدًا اللهم إلا غروره وسعادته.

أما هي ، فقد عاشت عمرها قبل أن تلتقيه ، مجرد امرأة أقل من عادية ، ذكاء أقل من عادي ، وحياة اجتماعية أقل من عادية ، وفرح أقل من عادي ، واهتمام بكل شيء ؛ أقل من عادي!!
الشيء الوحيد الذي امتلكته وكان فوق العادة ، هو ذلك الجمال الكامن في تفاصيل عينيها ، في مجموع وجهها ، فقد كان شعرها عاديًا ، وأنفها يفتقر إلى الجمال ، وشفتاها صغيرتان وأقل من عاديتين ، ولكن كانت عيناها تجمعان كل تلك القطع العادية في وجهها لتخلقا وجهَا خارق الجمال لا يمكن مقاومته أو التصدي له إلا من مخبول!!

وحين رآها أول مرة ، قال في نفسه: إن من الظلم أن يجتمع كل هذا الجمال في امرأة واحدة ، وأنه لمن عجائب القدر أن تمتلك أنثى واحدة كل هذا الغباء وكل هذا الحضور وكل هذه الطيبة وكل هذا الخبث وكل هذا الصدق وكل هذا الكذب في آن واحد!!

فقد كانت شفقتها في قلبه أكبر من لؤم طباعها ، وكان شغف ضميره بفرحها أعظم من جحود عينيها.

ولقد حفر بأظافره وأسنانه في صخر غربتها ليجعلها حاضرة دائمًا ، وكسر بدفء جراحاته صقيع جليدها ليطبخ في كفيها فرحًا لا ينضب ولا ينتهي ، وحين كانت تنام في جواره كان يغمض عينيه عن ترهلات بطنها ويمنع لسانه من تذوق ملحها ، كان يحاول أن يجعل كل ما فيها جميل ، كل سوادها نور وكل عتمتها ضياء ، كل مرها حلو وكل ذبولها زهر ، لقد كان يحب الفكرة لا الجسد ، وكان يعشق الأنفاس لا الفم ، كان يتوه عشقًا بالنكهة وليس بالإناء.

وكان يحتضن لون الثمار دون أن يلفت انتباهه تجاعيدها واصفرارها والشوائب العالقة بها.
كان حبه لها مثل الإيمان بعد الكفر ، يًجُبُّ ما قبله ويخفي ما عداه ويغفر كل ما قد يدنس نقاءه وصدقه ، فيصير أعمى كي لا يرى ما يعيبها ، ويتحول إلى أحمق ليجاري غباءها ، ويدعي عدم المعرفة ليتساوى مع جهلها ، ويسد أذنيه كي لا يسمع ما يسوءه منها ، ويخفي لسانه تحت جلده حتى لا يقول في حضورها ما قد يجرح منها أطراف ردائها.

وقد قابلت كل ما كان منه من عطور برائحة الفحم والكربون ، وواجهت كل تلك النكهات الحلوة بسيل من زخات الجحود والنكران.

أمسكت به من منتصف المسافة ما بين الشهيق والزفير ، وقبضت بذراعها على وتينه ، واستندت بكل ضعفها على عاتقه حتى استوت واقفة مثل السنديانة ، وحين هدأ خوار الأرض تحتها ، واتزنت قدماها ورسختا ، واعتدل رأسها بثبات نحو الأفق الذي رسمه لها ، أمسكت به مقلوبًا كشاةٍ مذبوحة ، وقذفت به فوق قِدرٍ يغلي بما فيه ، لتشوه ما تبقى منه ، وداست في طريق خروجها ما تيسر تحت قدميها من كل ما تبقى منه!!

خمس سنوات ، استغرقتها حتى تملكته ، فقد تسللت إلى حياته مثل الضباب وتسلقت عمره مثل شجيرة دفلى وتطاولت على أيامه متسولةً مثل قطةٍ تائهة ، تسربت إليه كوردة تدعي العطش ، حتى إذا ما بدأ بسقياها من يده ، شربت نصفًا وخبأت في جرابها نصفَا لتملأه بما فاض من احتياجها وتتسلح به عليه ، حتى إذا فرغ الدلو الذي كان يسقيها منه أو كاد ، شيئًا فشيئًا ، ارتوت واخضرت وأزهرت وأينعث ثمارها ، وبدأت تُخرج ما في جرابها من ماء ، وصارت تغمر بها قدميه بينما تشاغل بخبث قلبه وعقله ، وتخبره بأن ماءها طهور وأن بللها قدسي ، وظل مدها يرتفع حتى وصل إلى صدره وفمه وأذنيه ، ليفتح عينيه ذات ظلام بارد ، ليلقى نفسه غريقًا في يمها مطروحًا في قعره مثل خرقة باليةٍ ، بينما كانت هي تمتطي قاربها وتجدف بعيدًا عنه نحو الأعلى ، وتقهقه بعبث مطلقةً من جوف حلقها صرخة الانتصار.

نعم ، هو لا ينتظر منها اعتذارًا ولا عودة ولا هدنة ، فلقد أسكنت بنكرانها قلبه قسوة لا يمحوها ألف اعتذار ، ونسجت بجحودها على جلده حقدًا لا يذوب ، ولسوف ينتظر يد القدر لتفعل ما اعتادت فعله دومًا بالخائنين.
سينتظر يومًا ، شهرَا ، سنةً ، عشر سنوات ، فقط لكي يراها تسقط أمامه مثل ورقة شجر متجعدة لفظها غصنها ، وسوف يصبر لكي ينظر إليها تتدحرج أمامه مثل قطة عرجاء سقطت من فوق جبل شاهق ، واستنفذت نصف أرواحها السبعة ، وبقي لديها ما يكفي كي لا يغشاها الموت الذي تتمناه وتسعى إليه.

نعم ، لقد خلفت في عينيه بوقاحتها العجيبة حين رحلت أكوامًا من القرف والاشمئزاز لن يزيلها من ناظره ألف اعتذار وألف توسل وألف ألف ركوع ، سوف يجلس منتظرًا تلك اللحظة التي يراها فيها تستجدي الموت فلا تجده ، وترتجي قبرًا يضم بقاياها بين جدرانه فيعز عليها ، سينتظر ، ولو بقي كل عمره جاثيًا على ركبتيه ، تلك الزاوية التي سترتمي فيها على قارعة الحياة كخرقة قماش قذرة ممزقة تلوكها الرياح وتتلاعب بها الأنواء ، لتلقي بها فوق غصن جاف تنحبس بين عقده إلى أبد الآبدين!!!!!

الأموات أيضًا يحلمون ، ل~ أيمن الدولات

عن سوسن الخطيب

رئيسة تحرير وكالة شبيب

شاهد أيضاً

هل يكون الحب نقمة

    شبيب- بقلم: غادة عقل ********** عندما نلتقي بشخص لا نحبه نشعر بإستياء سرعان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by wp-copyrightpro.com