الجمعة , سبتمبر 20 2019
الرئيسية / مقالات / المسؤولية الأخلاقية …. لإسماعيل حسن محاسنه

المسؤولية الأخلاقية …. لإسماعيل حسن محاسنه

 

إسماعيل حسن محاسنه

شبيب-

المسؤولية أمر عظيم ، وحمل جسيم ، من سعى إليها فرط بواجباتها فهو جاهل ، ومن زهد فيها أرهبته عواقبها فهو عاقل ، ولعلي لا أبالغ إذا قلت أنه لا يوجد عربي يزهد في منصب عرض عليه أو تولاه ، فثقافة خلود المناصب وتوارثها تتغلغل في كل الحكومات العربية ، وظاهرة طلب الولاية والمسؤولية تستعر في عقول غالبية الناس لأنها شعار الوجاهة ، وقلعة الحصانة ، ومفتاح أبواب الثراء الذي لا محاسبة عليه ، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله ” ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة ، يده فوق عنقه ، يفكه بره ، أو يوثقه إثمه ، أولها ملامة ، وأوسطها ندامة ، وآخرها خزي يوم القيامة ” فويل لمن يطلبها ، ويل الويل لمن يصر عليها ولا يتركها ؟!

لا يعنينا كثيرا شخصية الوزير بقدر ما يعنينا التزامه وجديته وإخلاصه ، ونهوضه بواجبه ، وسلوكه وما ينتج عنه من آثار ايجابية على الفرد والمجتمع ، مرسيا قيم العدالة ، ومراعيا حقوق المواطن ، ومجتهدا في تقديم الخدمة ، ومتوخيا صيانة المال العام ، معززا في كل ذلك نشر الفضيلة والرضا والانجاز الذي يضمن أمن الوطن واستقراره ، ولعل هذا ما يدفع نماذج كثيرة إلى الاستقالة ، فالمسؤولية الأخلاقية شعور داخلي ينبع من وزن الفرد لذاته ، وقياس قدراته في تحقيق نتائج إيجابية ، وإنجاز عال يعكس رضاء الله ، وراحة الضمير ، والانتماء الصادق ، وقبول الناس وضمان هدوئهم ، وتهدئة خواطرهم ، وتجنب إثارتهم وثورتهم ، ونحن كأمة عربية ندين بالإسلام نملك قواعد المسؤولية الأخلاقية الثلاثة ، الإيمان بالله ، والعقل ، والقلب ، لكن مسؤولينا رؤساء حكومات ووزراء يرغبون عنها ، ولا يراعون أيا منها ، ويعتبرونها ألبسة بالية ، فالدين عن السياسة مفصول ، والعقل عن التفكير مشلول ، والقلب بالأنانية مشغول ، ولا مكان للمسؤولية الأخلاقية بجوارهم ولا أعمالهم ، وعليه فمن المحال أن يزهد أحدهم في منصبه فيقدم استقالته لمجرد التقصير ، أو نزولا عند رغبة الجماهير ، أو احتراما لضرورات التطوير ، ويفضل أن يبقى حتى يفك قيده كالحمير ، أما غيرنا من الأمم التي لا تملك من قواعد المسؤولية الأخلاقية إلا العقل والقلب فيبادر وزراؤها إلى الاستقالة من تلقاء أنفسهم عند أي خلل تقترفه مؤسساتهم ، احتراما لأنفسهم ، ولمجرد شعورهم بعدم الوفاء بما جاؤوا من أجله ، أو خطأ غير مقصود من فرد تحت إمرتهم وجه أنظار الناس إليهم ، فسبحان الله ما أغربنا ، وما أضيعنا ؟؟!! عجبا لكم !! ألم تسمعوا بنماذج وزارية رائعة في كثير من دول العالم تخلت عن مناصبها احتراما لنفسها ولشعوبها ، مع أنها دول استعمارية كافرة ، تظلم وتقتل وتدمر ، لكنها لا تبتذل نفسها ، ولا تسخر من مواطنها ، أو تتجاهل حقوقه ، ولا تتجاوز مصلحة الوطن العليا ، وتعتبر المسؤولية واجب مقدس ؟؟!!

انظر كيف استقال وزير الدفاع الياباني لمجرد اصطدام طائرتين ، واستقال دنكان وزير العمل البريطاني احتجاجا على تخفيض قيمة الإغاثة الاجتماعية ، ومثله فعل وزير البيئة الفرنسي لعدم كفاية مخصصات الوزارة عن مواجهة تهديد المناخ ، وعجزه عن تحقيق طموحاته ، وكونج وزير اقتصاد تايوان لانقطاع التيار الكهربائي المفاجئ مرفقا استقالته باعتذاره للمواطنين خلال مؤتمر صحفي ، وغيرهم كثير ، فهل كان وزير دفاع اليابان مفجر الطائرتين ، أم أنه كان يقود إحداهما ؟! وهل كان وزير العمل البريطاني متهما بتبذير أموال فقراء التنمية الاجتماعية ، أم أن وزير البيئة الفرنسي كان يسطو على أملاك الدولة ، فيقيم المزارع الشاسعة ، ويحفر الآبار لريها بينما المواطنون يشربون الماء الآسن ، أم ترى وزير اقتصاد تايوان فتح باب العمالة الوافدة ، ومزاحمة العمالة الوطنية ، وزيادة البطالة ، وشفط أموال الدولة ؟؟!! فماذا نقول نحن أبناء الأمة العربية لوزرائنا الذين تسقط طائراتهم كل يوم كورق التين ، ويموت خيرة شبابهم على أيدي السفاحين ، وتهدر أموال دولهم في سبيل الشياطين ، ويتبارون في اختراع الضرائب ، ورفع أسعار الكهرباء والماء ، وهي تقطع في الصباح وفي المساء ، ومن شكا فلا سمع ولا إجابة ، وربما لطم بالحذاء ؟!

أين أنتم يا وزراء الأمة العربية من هؤلاء ، ومن أولى بالمبادرة إلى هذا السلوك الذي لا نملك إلا أن نقدره ونحترمه ونشير إليه ، لا لشخصية أصحابه ، وإنما لاحترامهم واجب المسؤولية ، والتزامهم بما أقسموا عليه من العمل بإخلاص وشفافية ، فزهدوا في المناصب ، وتخلصوا من الأنانية ، وجردوا أنفسهم عن المطامع الشخصية ، وجعلوا مصلحة الوطن العليا ، وحقوق المواطن فوق كل اعتبار ، فكيف لا أقدر تصرف مايكل بيتس وزير التنمية البريطاني الذي قدم استقالته وغادر مجلس العموم معتبرا أنه شعر بالخجل لتأخره دقيقة واحدة ؟! فمتى كان للوقت عندكم أهمية ، وما حجم أقوالكم إلى أفعالكم ، وما نتائج أعمالكم ؟؟!! وهل كان المواطن من أولوياتكم أو حتى أحد اهتماماتكم ؟؟!!

لا بل متى كان للوطن كله عندكم قيمة وأنتم لولا خيره الذي تنهبوه لكنتم أضيع من طنين الذباب في المغاور والخراب ، ولتسول معاليه كأس الماء من أفقر الناس فيه ، فنحن في غنى عنكم ، ولا فائدة لنا منكم ، فسحقا لكم ، وتبا لمناصبكم .

إن ظاهرة استقالة الوزراء الغائبة في حكوماتنا لا تعد منقصة ولا عيبا ، وليس بالضرورة أن تتلو ذنبا ، وقد يكون سببها خارج عن إرادة المستقيل بالمطلق ، لكنها تعبير عن إيمان راسخ وفهم عميق يعد المنصب تكليفا لا تشريفا ، وليس ملكية شخصية ، أو حوزة خاصة ، ولا وجاهة اجتماعية ، أو زعامة وراثية ، فالعيب أن تكابر للبقاء في منصبك رغم فشلك ، وعجزك عن أداء واجبك ، وتقديم الاستقالة بعد أي خلل في أداء المؤسسة خطوة رائعة ، وخلق رفيع ، وسلوك حضاري راق يؤسس لثقافة المسؤولية الأخلاقية ، والحكم الرشيد ، وترسخ قيما سامية لحكومة رشيقة تحترم مصلحة الوطن العليا ، وتفرز قادة على مستوى عال من الفهم والقوة والانتماء ، ومن الحصافة المبادرة إليها قبل أن تكون نتيجة حتمية لتعديل إجباري ، أو غضبة شعبية ، لأنها تحفظ ماء وجه صاحبها ، وتجنبه نقدا لاذعا قد يجاوز حدود اللياقة ، ويحرف الحقيقة ، ويلصق به صفة ، أو يلبسه تهمة تلاحقه طول حياته وبعد مماته ، فالثقة المتبادلة المبنية على الصدق والشفافية والاحترام المتبادل بين المواطن والمسؤول التي لا وجود لها في بلادنا أحد مفاتيح النجاح ، وريما يكون أثرها على العطاء والانجاز أكثر من قوانين العقوبة ، وأنظمة الرقابة والمحاسبة ، فاحترام وعي المواطن ، وسماع رأيه ، ومصارحته بالحقيقة والمعلومة الدقيقة بعيدا عن تزين الإعلام وبهرجته يريح المواطن ، ويبعد عن المسؤول الشبهة ويوفر له مساحة كافية من الزمن ، وقدرا وافرا من الجهد يفتح أمامه آفاق الإبداع ، ويمكنه من تنفيذ خططه ، ومتابعتها وإنجازها ، ويدرأ عن الوطن حالات اليأس والتوتر والتمرد التي غالبا ما تتضخم وتتحول إلى ثورة ربما تأكل الأخضر واليابس ولا تأتي بنتيجة مرضية ، وتنقل الناس كما يقول المثل ” من تحت الدلف إلى أسفل المزراب “.

وما حصل في سوريا وليبيا ولعراق واليمن ليس بخاف ولا بعيد ، فإن كان حظكم من الجهل والسقم أكثر من حظكم من النبل والعلم ، وكنتم قد سقطتم في مراتع اللامبالاة ، حرصا على الرفاهية والنجاة ، وهانت عليكم نفوسكم ، وتساوى عندكم الأمل والفشل ، وتقدمت الخيانة على الأمانة ، وأعجبكم التجرد والعهر أكثر من العفة والطهر ، واستمرأتم القتل والإجرام ، والتفنن في أكل المال الحرام ، فلا سلطان لكم علينا بعد اليوم ولا إمارة ، فنحن أهل عزة وطهارة ، ولنا الشرف أن نتبرأ منكم ، وسنظل نلعنكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم ، والله المستعان .

عن admin

شاهد أيضاً

نظرة في تجربة الحكومات الاردنية ‎الكباريتي والخصاونه والرزاز نموذجا ‎اين رجال الدوله؟/سليمان نصيرات

‎نظرة في تجربة الحكومات الاردنية ‎الكباريتي والخصاونه والرزاز نموذجا ‎اين رجال الدوله؟ ‎لماذا انهار الهيكل …

This site is protected by wp-copyrightpro.com