الأحد , ديسمبر 8 2019
الرئيسية / مقالات / ثورة الدجاج …ودهاء الثعالب. /نايف المصاروه.

ثورة الدجاج …ودهاء الثعالب. /نايف المصاروه.

ثورة الدجاج …ودهاء الثعالب.
نايف المصاروه.
تعرف الثورة على أنها الخروج عن الوضع الراهن وتغييره إلى الأفضل .
وأما الدّجاج فهو نوع من أنواع الطيور المستأنسة ،بتعريف أخر ”مسالم لا يهش عن نفسه ولا ينش عن غيره”.
كما لا يمكنه ان يطير بعيدا أو يحلق عاليا،كما الصقور أو باقي الطيور.
يُربّى الدجاج ويعتنى به فقط ،من أجل استهلاك بيوضه ولحمه واستعمال ريشه في بعض الصناعات وكذلك استعمال روثه كسماد طبيعي لبعض الزراعات ، وهو من أكثر أنواع الطيور التي يفتك بها الإنسان ليأكلها.
يُطلق على صوت الدجاجة العديد من المُسميّات منها القرّ هو الصوت الذي تُصدره مع التقطيع، بينما يُعرف صوتها المتواصل بقرقرة. والقرق هو صوت الدجاجة عندما تحتضن بيضها،وقوقاة هو الصوت الذي تُصدره الدجاجة عندما تبيض،والنقنقة وهو صوت آخر من أصوات الدجاج، والصقيع هو صوت صياح الديك.
الدَهاء هو الحِذْق والمَهارة في تدبُّر الأُمور.
واما الثعلب فهو حيوان ينتمي الى فصيلة الكلبيّات القارتة (أكلة للحوم والنبات) ،ويمتاز الثعلب بالمكر والدهاء، وبالسرعة والقدرة على المراوغة والاختفاء ، ويصنف ضمن الحيوانات المفترسة الانفراديةً، وأسلوب صيد الثعلب هو دليل على مكره ودهائه،ويتجلى ذلك في تخطيطه للإيقاع بفريسته ،وقدرته على تحديد قوة خصمه، فـلا يقحم نفسه أبداً في القتال المباشر مع منه اكثر قوة وعددا.
من يشاهد كيف تجري عمليات ذبح الدجاج،تعليقا وتنتيفا ،يدرك حقيقة جبنها ،فهي لا تظهر أي مقاومة او ممانعة عند القبض عليها او إختيارها لتذبح ،كما انها لا تبدي أي مواجهة للدفاع عن نفسها،فلا يصدر عنها إلا النقيق،والقرقرة، ولا عجب في ذلك،فهذه طبيعتها ووظيفتها، خلقت لتؤدي واجبها فقط،تأكل وتشرب،وبعد أن تكبر وتسمن ،يكون بعضها بياضا،يكثر النقنقنة ،فيما يكثر بعضها القرقرة، والسكين بإنتظارها لتذبح،لتطهى،او تقلى ،أو تشوى على جمر النار،وما أشهاها مشوية.
منذ القدم ارتبطت علاقة الدجاج وجبنه وخوفه ،وانعدام مقاومته ،مع دهاء الثعالب ومكرها،من خلال الكثير من الروايات والقصص،التي ركز اكثرها على إبراز دور الثعلب ودهاءه،كقصص للاطفال …مما ولد جيلا مشابه للدجاج في قرقه ونقنقته .
الدجاج وعبر تاريخه الخانع الطويل، لم يسجل له تمردا،للمطالبة بتغيير نظام المزارع، أو لتحسين نوعيات الأعلاف، او تغيير نمط الأقفاص التي يحشر بها لتذبح الأولى تليها الأخرى،أو أنه إحتج على طريقة الذبح، ولم يسجل في تاريخه ثورة ضد الثعالب.
عاقبة الظلم ظلمات، وكثرة الظغط تولد إنفجارا .
نتيجة لتمادي الثعالب في غيها وكثرة ظلمها ،انتفض الدجاج أخيرا ،وثار وتأر لنفسه ،فقد سجل التاريخ الحديث قصة واقعية ،وثورة حقيقية قامت بها مجموعة من الدجاجات ضد ثعلب تسلل إلى حضيرتها.
وقعت أحداث تلك القصة قبل أشهر في منطقة بروتاني في الشمال الفرنسي،
وقد اوردتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، وموقع (يورو نيوز)،في خبرين مفادهما، انه عثر على ثعلب ميتا داخل حضيرة الدجاج.
وبحسب المتخصص باسكال دانيال، والذي يعمل في المزرعة التي وقعت بها الحادثة ، الذي قال معلقا ”يبدو أن الثعلب دخل ليلا على أمل تناول “وجبة شهية”، لكنه وجد نفسه محاصرا بالدجاج من كل صوب وحدب، ولم يستطع الفرار لأنّ باب الحضيرة يغلق بشكل آلي،
ويبدو أن وجود “غريزة القطيع” لدى الدجاج الذي لم يتردد في الهجوم على الثعلب مستخدما المناقير ، مما أدى ألى قتل الثعلب.
تاريخ أوروبا حافل بالثورات،
كالثورة الإنجليزية عام1689 م والتي عرفت بالثورة المجيدة،والثورة الأمريكية عام 1775م،والثورة الفرنسية عام 1789 والتي استمرت 10 سنوات وانتهت عام 1799 م،والثورة البلشفية (ثورة أكتوبر) في روسيا عام 1917م.
ثورات حقيقة ،كانت نتائجها إنجازات حقيقة وقيام حضارات ،و ممالك،على اساس العدل والعلم واحترام حقوق الإنسان وحريته،وحفظ مصالحه.
أما في عالمنا العربي،فسجل التاريخ ثورات ظلم على الحق في عهد الدولة الأموية، كثورة التوابين او ثورة المختار الثقفي ،والتي قام بها الشيعة والخوارج، والثورة العربية الكبرى عام 1916م،والتي قام بها العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي ،ملك العرب ضد ظلم الإتحاديين،الذين كانوا يحكمون ظلما تحت عباءة دولة الخلافة الإسلامية العثمانية،وكانت بالتنسيق والتعاون مع بريطانيا،على أمل ان ينال العرب استقلالهم وتبقى وحدتهم ،ولكن بريطانيا نقضت مواثيقها،وسلمت العرب للغرب ﻹستعمارهم،وعلى أثر ذلك كانت عدة ثورات منها ، ثورة 1919 في مصر ضد الإستعمار البريطاني والفرنسي ،وثورة العشرين في العراق 1920م،والثورة الليبية الأولى ضد الأستثمار الإيطالي عام 1922م،والثورة السورية الكبرى من 1925 حتى 1927م،والثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939م ضد الإحتلال البريطاني والتواجد اليهودي ،وثورة التحرير الجزائرية عام 1954 وحتى 1962،ضد الإحتلال الفرنسي، ،والثورة السودانية عام 1964م،ضد النظام العسكري الحاكم ،ثم ثورة عام 1985م.
والثورة التونسية عام 2010 م،ضد نظام بن علي ،والتي أشعلت ما يسمى بالربيع العربي ،وثورة 25 يناير في مصر عام 2011م ضد نظام مبارك،ثم الثورة الثانية في ليبيا عام 2011 م ضد نظام القذافي،ثم الثورة الجزائرية عام 2019 ضد نظام بوتفليقة،ولا تزال الإحتجاجات مشتعلة حتى اللحظة، ضد رموز النظام السابق،ثم الثورة السودانية 2018-2019م ، ضد نظام عمر البشير العسكري،والتي انتقل الحكم من خلالها، إلى مجلس عسكري انتقالي، ولا تزال ايضا أثارها قائمة إلى هذه اللحظة.
التعريف التقليدي القديم للثورة،والذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية ،هو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة.
كما تعرف الثورة على أنها ظاهرة اجتماعية تقوم بها فئة أو جماعة ما هدفها التغيير ، وفقا لأيدولوجية هذه الفئة أو الجماعة، ولا ترتبط بشرعية قانونية، كما تعبر عن انتقال السلطة من الطبقة الحاكمة إلى طبقة الثوار.
من يتابع نتائج الثورات في أوروبا يجد أثرها واضحا وظاهرا،وفي كل النواحي،إبتداءا من انتخاب رئيس الدولة ،أو رئيس السلطة التفيذية،والذي يختاره الشعب حاكما له وواليا عليه،ويخضع حكمه لفترة محدود قد تمدد احيانا الى فترة ثانية فقط ،ولا تزيد عن ذلك، يخضع الحاكم خلال فترة حكمه للمساءلة والمراقبة ،من قبل مجالس النواب بكل مسمياتها،والتي هي ايضا منتخبة،انتخابيا مباشرا وحرا ونزبها من قبل عامة الشعب، بناءا على أسس من النزاهة والعلم والحكمة ،وبعيدا عن كل عمليات الغش والتزوير.
ولهذا نجد انسيابية انظمة الحكم في أوروبا، مع المحافظة على تطويرها ،أنطلاقا من أساسيات وثوابت تلك الثورات،والمحافظة على إرث قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه للتغيير،وبمشاركة كل الشعب ،وإحترام قرار الأكثرية،من قبل الاقلية،لذلك لا غر ولا عجب ،بأن نجد العدل القائم على إحقاق الحق،ونجد وفرة الخيرات وكثرة الرفاه الإجتماعي ولكل الناس ،حتى المهاجرين يجدون من الحقوق ما لا يجدونه في بلدانهم ،ونجد كثرة الإختراعات والإنجازات في مجال الصناعة والزراعة وكل ابواب الإنتاج،لأن هناك من يسعى لخدمة العامة ورقيهم ورفاههم.
على الجانب الآخر، من يتابع نتائج الثورات في عالمنا العربي ،يجد أن كثيرا منها قامت على أسس صحيحة ،ولكن عند تحقيق النتائج الأولى للثورة ،وبعد التغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية، التي كانت مع النظام السابق ،وبدلا من تحقيق طموحات التغيير النزيه والعادل ،وتوفير الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع،والتي على أساسها قامت الثورة ،إلا أننا وبعد فترة وجيزة،نجد أن الأحوال عادت إلى مربعها الأول ،فيتسلط الحاكم ويتجبر،ويبدأ بالاستحواذ على كل القرارات والمقدرات،ويغير الدستور والقانون لتطول فترة حكمه،فيتجلى دهاء الثعالب مرة أخرى،وتكثر نقنقة الدجاج وقرقرته ويزداد الجبن ويكثرالخوف ويشيع الذل ،وعلى وقع هذه الصورة،يصبح بعض الحكام أكثر ظلما وجورا .
وبدلا من رعاية مصالح الشعوب التي يقسمون عليها ،تراهم يعطلون الانتاج ،حتى لا تقوم للشعوب لأئمة ولبيقى واقع الذل ،بل ليزداد أكثر، تبدأ عمليات الإقتراض ،ويكثر الدائنون،ويزداد حجم الديون وترتفع،ويتكرر عجز الموازنات ،وترهن الممالك ،وتوضع المقدرات والشعوب في المهالك،وما أكثر الشواهد،ومن يراقب جيدا، يجد أن هناك اختلالات في آليات تحقيق نتائج تلك الثورات.
ثورات الغرب يقودها الأحرار منهم فقط ،فقامت لتدوم نتائجها. وأما ثورات العرب، فقادها بعض الأحرار، ولكن سرعان ما ركب موجتها،واعتلى سدتها، الفجار والاذناب، بعضهم من السقط والرعاع ،ليس لهم في علم السياسة دراية أو باع ،هم تبع لكل عدو طامع ،ولكل ساقط لاقط، ،غايتهم أن لا تقوم للعرب قائمة،وليكونوا على الدوام، مطية لغيرهم،وليكون نفطهم وكل خيراتهم ،مصدرا لرخاء وتحضر غيرهم ،فيما يحرم منها أهلها.
إن سبب كل الويلات التي يعيشها عالمنا العربي ، هو الجبن والخنوع والخوف،جبن من مواجهة الحقائق،وخوف من الوقوع تحت ذل وقهر بعض الحكام،فكانت النتائج مزيدا من أنواع الذل واﻹهانة .
يا قومنا ..الدجاج ..الخانع ،توحد في رأيه وثار على ظلم الثعالب ،وتأر لنفسه فقتل من يظلمه ،وما اجمل لو جعلنا من ثورة الدجاج ،نموذجا لثورة حقيقية على دهاء ومكر بعض الثعالب في عالمنا العربي ،ثورة للتغيير الحقيقي لكل واقعنا المشين والمهين،ثورة تقتلع كل اشكال الظلم، وتنهي كل انواع الذل التي يعيشها المواطن العربي.
عن ثورة الدجاج كتب الشاعر العربي نزار قباني قصيدة بعنوان ثورة الدجاج قائلا…
نحن دجاج القيصر ..
نأكل قمح الخوف ،
ونشرب من أمطار الملح
كل نهارٍ ..
يأتينا البوليس قبيل صلاة الصبح
يستجوبنا ..
ويهددنا ..
ويعلقنا ..
بين السيف .. وبين الرمح .
نحن دجاج القيصر ..
يعلفنا في فصل الصيف ،
ويذبحنا في عيد الفصح …

عن سوسن الخطيب

رئيسة تحرير وكالة شبيب

شاهد أيضاً

‎د. بسام روبين يكتب… ‎ هل ستطلب الحكومه للتنفيذ القضائي!!!

‎د. بسام روبين يكتب… ‎ هل ستطلب الحكومه للتنفيذ القضائي!!! ‎تختلف الحكومات في ادارتها لشؤون …

اترك تعليقاً

This site is protected by wp-copyrightpro.com