الجمعة , سبتمبر 20 2019
الرئيسية / نبض الأقلام / كتب الدكتور سمير محمد أيوب ثرثرة في الحب ( 14 ) – جدل الكبرياء والكرامة

كتب الدكتور سمير محمد أيوب ثرثرة في الحب ( 14 ) – جدل الكبرياء والكرامة

كتب الدكتور سمير محمد أيوب
ثرثرة في الحب ( 14 ) – جدل الكبرياء والكرامة
عشوائيات فكرية للتأمل
كُنتُ لا أجدُ ، أروعَ من إبتسامةٍ عينيها عنوانا لي . كانت تصنعُ ليَ من الحبِّ إبتسامات ولا أشهى . كانَتْ هُنا وفي كل مكان . إبْتَسَمَتْ ، ثم مع مَرَضٍ مُسْتَبِدٍّ غَيْرَ مُمْهِلٍ ، رَحَلَتْ . وبَقيتُ ، كُلَّما أوجَعتني الحياةُ أو أرهقتني هُمومُها ، ومَسَّنِيَ مِنْها ضَرَر ، أسافرُ إلى ابتساماتٍ ، كانت وما تزال وطناً يُحييني .
ذات صباحٍ مُختلفٍ ، ضاقت بيَ الدُّنيا وَزَحمَتُها . كنتُ أمرُّ بحالة ِإختناقٍ . أمْضي بعواطفَ راكدة . لا وَرْدٌ يُعجِبُني . تَستعصي الكلماتُ على لِساني . ويَعجزُ القلمُ عن مقاربةِ حُروفي أو ترتيبها . ضَجَّ الفُؤادُ وسُدَّتِ الأبوابُ ، وباغَتَني حُزنٌ مُفاجئ سمعتُه بِكلِّ حواسي ، دون أنْ أدريَ له سبباً . أدركتُ ساعتَها ، أنَّها هناك تشتاقُ لي بشدَّة ، حَدَّ التألم . فتألمتُ مِثلَها . حاولتُ أنْ أوقِفَ صُراخَ حُزْني ، حتى ما عُدْتُ أحْتَمِلْ .
لم يكن من عادتي أنْ أحكُمَ على الحزنِ عندما يقتَحِمُني . ولكنِّي كنتُ أصدِّقُ ما يود الحزنَ أنْ يقولَه . إسْتَقَمْتُ كما أُمِرْتُ ، لا كما كنتُ قد أحببت . فَيَمَّمْتُ وَجهيَ في لَهفةٍ إلى مَن يَملِكُ الدُّنيا وما عليها . وبدأتُ بَثَّ شَكواي . ما أن قلتُ هامِسا يا رب ، وجدتُ نفسي أبحثُ عن غريبٍ أبوحُ له بأوْجاعيَ ، ليَحمِلَها ويَرْحل ، دون أنْ يتداوَلَها مع أحدٍ منَ الناس .
أثناء البحثِ ، إلتقيتُها في ممراتِ معرضِ الكتاب الدولي في عمان . أنثى تقتربُ من الخمسين ، يحتلها جيشٌ منَ النساء , جُنونُها العاقلُ ناضج . بصدقٍ تحتضنُ قلبَها وعقلَها . تلعبُ في ممراتِهِما . تبتسمُ وتبكي في شرفاتِهِما . حيَّتْني بلهفة ٍوهي تُمسكُ بِكَفِّيَ بِكِلْتَيِّ يديها ، قائلة : ما بِكَ يا شيخي مهموماً ، مُتجهما على غيرِ عادتِكْ ؟ أبحثُ عنكَ من أشهُرٍ . هيّا نخرجُ إلى الهواء الطَّلِقِ . أحتاجُ أنْ أفَضْفِضَ أمامَك شيئا مِمَّا في دواخلي .
سألتُها مُستَغربا : وأينَ عَنْكِ صديقيَ زوجُك .
قالت مُتَبَرِّمة : خَرَجتُ منه قبل أن تنهارَ كرامَتي ؟
قلت مستنكرا : أهكذا بكل هذه البساطة تقولينها ، بعد كلِّ هذه السنينَ الطِّوال من العِشْرة ؟
قالت مُتأفِّفَة : طِوالٌ صحيح ! ، ولكنها سنيناً عِجافا. سكَنْتُهُ طيلَتَها دونَ أن يسكُنَني . أخَذْتُه على محملِ الجدِّ ، حتى حفِظْتُه ، إنَّه شجرٌ إصطناعي ، مهما أسقَيْتَهُ لا يُثْمِر. قرَّرْتُ تحدِّيَ تَشفِّيَ البعض ، وأنْ لا أعودَ إليه .
سألتُ بحيرة: لِمَ وهو الأكاديميُّ المرموق ، وأنت المبدعة الأشهر ؟
قالت بشئ من السخرية : صاحبُكَ أكاديميٌّ أمي . يُتقِنُ علومَ القراءةِ وأصولَ الكتابةِ وفنونَ الهندسة. لكنه لا يُتْقِنُ شيئا مِنْ مُقتَضَيات الشراكة الإيجابية ، ولا شيئا من مهارات الحب ، ولا آداب المغفرة المتكررة . في ظنِّهِ أنَّ الشراكةَ عقدٌ ورقيٌّ بَيْنَ جسدين ، وفستانٌ أبيض ، وحفلة طرب . وأنني محضُ رَحِمٍ للحَرْثِ ، ومَشتلٍ للتَّكثيرِ البيولوجي . بينما كنتُ أراها جوازَ مرورٍ لحياةٍ أجملَ وأفضل ، ثرية بالعبادات الدافئة والمسؤوليات الحنونة . نتنازلُ في ظلاله ، عن الكثير من الكبرياء ، دون أن نتنازل عن ذَرَّةٍ من الكرامة . خاب ظني . في يومياتِنا ، حزنٌ طازجٌ مُقيم . لا تُحكى خوافيهِ لأحدٍ . فَشِلَتْ مُحاوَلاتي في جذبِ روحه ، وفَشِلتُ في إبقاءه قُرْبي . جسدي لم يَعُدْ يراه .
سألتُ بقلقٍ موجوعٍ : منذ متى وأنتما في هذا الحال ؟
قالت بوجع بَيِّنٍ : منذ رحل أبي . تَوَقعتُه أن يبسط لي ذراعه لأستندَ عليه . ولكنَّه تحوَّلَ إلى مقبرةٍ خرساء ، أمواتُها أحياءٌ يعيشون في أحشاءِ قلبِه وتلافيفِ عقله . لم يعد كما كان . أرهقتني إستفزازاتُه . طحنتني حدَّ الإبتلاء . أفتقدت صبر أيوب لمواصلةِ العيشَ معَه . أدارَ لَهُ قلبيَ ظهرَه ، ولَمْ يَعُدْ يُجامِلُه . بِتُّ لا أعرِفه . تعرَّى حُلُمي . تعبَ وانكسر . إعوجَّ ظهري . صار يؤذيني باسم تلك الورقة . فأفْلَتَتْهُ يدايَ . ومَضيتُ بِلا وداع .
كنا نتمشى في ساحةٍ جانبيةٍ للمعرض ، حينَ توقَّفَتْ ، ثمَّ أطرَقَتْ . لم تكن تَبكي ساعتَها ، بل كانت تذوب . بِلا رعدٍ وبِلا بَرْقٍ ، أمطَرَت عيناها شيئاً لا يُشبهُ البُكاء .
أمسكتُ بِيَدِها وقلتُ مُواسيا بنبرةٍ قويَّةٍ : أديبتنا الكبيرة ، الحياةُ لا تقفُ لتُراعيَ حزنَ أحد . لتستمتعي بِتغيُّر الأحوال ، لا تُغلِقي عَيْنَيكِ من شدة الحزن . التغيُّر حتميٌّ . قِفي رغمَ انكسارك ، ولا تحرسي كلَّ ما مضى من أشياء ، ولا تَجْتَرِّيها كالجِمال . هناك أشياءٌ دعيها تمضي برضى . وأخرى بقناعة دعيها تنتهي . وارْضِي بما ابتلاك به ربك . فلِلَّهِ في خَلْقهِ شؤون . حِكَمُهُ في الشجَنِ بالغة . لا تُدركها العقول ، مهما اجتهدت ، في البحث عن منافذَ غيرَ مُعْوَجَّة .
الاردن – 13/10/2018

عن سوسن الخطيب

رئيسة تحرير وكالة شبيب

شاهد أيضاً

كتب الدكتور سمير محمد ايوب إلا أنتِ وأنا – الجزء الثاني ثرثرة في الحب ( 18)

كتب الدكتور سمير محمد ايوب إلا أنتِ وأنا – الجزء الثاني ثرثرة في الحب ( …

اترك تعليقاً

This site is protected by wp-copyrightpro.com