السبت , أكتوبر 20 2018
الرئيسية / نبض الأقلام / قراءة نقدية :لنص عذرا سيدي للاستاذ ربيع

قراءة نقدية :لنص عذرا سيدي للاستاذ ربيع

؟

قراءتي المتواضعة للقصيدة التالية:

عذرا سيدي

جوارحي تورمت
قناص تمكن مني ضائعة
أنا العاقلة التائهة!
ما ذنب مشاعري الجائعة؟
لم أشته لا خلجان و لا لؤلؤة
لا أريد قصوره لا نفوذه
ما لي وما بي بجنوده؟!
أنا تلك البتلة في وسط الصحراء
تشتهي بقوة قطرة ترياق
أنا النبض الذي يحتضر
أنا الدمعة الحزينة
أوجاعي كبيرة
شفائي بسمة
دوائي قبلة
ترياق الحياة ضمة
أنا الروح الراحلة
بدونك راهبة
برزخ فيه روحي نائمة
جسد المرأة النائمة
يمشي والأدعية صارخة
أيا متاهتي
كفاك عني لأني
إمرأة تعشق بتأني
يا سم يتغلغل بشرياني
أنتِ لروحي دامغة
أيام دامية
وحب لروح صادمة
سوف أحاول أن أكون صامدة
ضمادة جروحا بالغة
لعلني أجد مخرجا؟!
من تلك المتناهية
إني لها العاشقة الجارية
عذرا سيدي…
لأموالك لست مبالية
إني الهائمة التائهة!!
إني …مجرد عاشقة…

بقلم سهام بن شعبان/الجزائر

*****************************************************

الشاعرة الجزائرية سهام بن شعبان ذات الملامح الجميلة و التعابير القوية . عرفتها عن قرب في مصر الشقيقة وتحديدا في شهر مارس من سنة 2017. ضمن فعاليات مهرجان القلم الحر للإبداع العربي في دورته السابعة.

كانت تشبهي إلى درجة كبيرة . ترى ألمكَ فلا تسألكَ، فقط تسمعك حين ترغب بالبوح لها. ترى فرحك فتسعد به، ولا تسألك سرَّ ذلك.

هذه هي الشاعرة سهام فكما شدتني برقي أخلاقها ، شدتني كذلك بأشعارها الصادقة النابعة من حساسيتها المرهفة، و شخصيتها القوية و الثائرة .

القصيدة نثرية الشكل وجدانية المضمون. أتت في شكل خطاب يبدو للعيان أنه موجه للآخر، لكنه في حقيقة الأمر كان موجها للذات. القصيدة بها أكثر من ثلاثين بيتا، لغتها جميلة و ساحرة، تلامس شغاف القلب، و تؤثر بشكل كبير في النفس و الروح.

دائما و دوما أشعر بارتباك حين أهم بالغوص في عمق شاعرة . ربما لأن المرأة كائنا غامضا و متقلبا ، لا يعرف ماذا يريد من نفسه و من الآخر. يقولون أن المرأة لا تفهمها إلا إمرأة مثلها . أولست غامضة مثلهن؟ أم تراني مختلفة عنهن ؟. لا أدري كأني بتُّ أعقد الأمور أكثر من اللازم.

سأحاول جاهدة أن أفهم هاته القصيدة.
راقبتها وتأملتها و من أم رأسها إلى إخمص قدميها تفحصتها ففهمت مظهرها. ومن عمق نظراتها و تمتمة روحها و هيام قلبها و غليان جسدها عرفت جوهرها .

سأعرف المزيد كلما توغلت في القصيدة، ولنبدأ بالعنوان لأنه يحمل أكثر من معنى
عذرا سيدي ! ماذا أرادت بالضبط الشاعرة ؟ ربما عنيت هذا المعنى ( لم ولن تفهمنى). أو هذا المعنى (لستُ متاعا) أو رميت إلى معنى آخر (كما أشاءُ أكونُ)

في نهاية المطاف سأعرف ماذا كانت تقصد . دعونا نفتح الباب الاول :
جوارحي تورمت
قناص تمكن مني ضائعة
أنا العاقلة التائهة!
ما ذنب مشاعري الجائعة؟

جوارح الشاعرة أكلها الحزن، وأخذ منها مأخذا عظيما . كانت تقصد جوارحها الظاهرة و الباطنة. إنها لا تتجزأ فهي كتلة متكاملة و متماسكة، فكل ما يوجع روحها، يوجع قلبها و جسدها . إنهم متشابكون يتألمون معا و يفرحون معا.
تكاد الشاعرة تشق لنا صدرها، و تقول على الملأ : أنظروا نزفي و حرقتي، لتتأكدوا من صدق كلامي. نعم نظرنا مليًّا و سنفهم أسباب ما آل إليه حال جوارحك.
بدت لي أعماق الشاعرة بقوة تهفو إلى الحب . هناك قناص تمكن منها و عرف نقاط ضعفها و هو بصدد رمي الشباك ، و إعداد الخطط للسيطرة على الغنيمة .
كم كانت الشاعرة صادقة جدا في وصف حالتها، إنها العاقلة لكنها تائهة .صراع عنيف بين الإحجام و الإقدام و هنا تتساءل ما ذنب مشاعرها الجائعة . إشارة الى رغبة عاطفية وجسدية حارقه إنها في حالة اشتهاء قصوى. كأنها تخاطب عقلها قائلة. ماذا عليَّ فعله و مشاعري حارة ومتقدة كالنيران المتأججة أبدا لا تخمد. ما العمل؟

لنواصل السير في هاته الرحلة المتعبة :

لم أشته لا خلجان ولا لؤلؤة
لا أريد قصوره و لا نفوذه
ما لي و ما بي بجنوده

الشاعرة لا تزال تبرر هيجان مشاعرها. فهي لا تريد أنهارا ولا قناطير من الفضة والذهب، ولا تريد نفوذا أو سطانا . الشاعرة هنا تركت أمر السيد مبني للمجهول، لم تذكر لنا أي كلمة عن هذا الصياد ، أم الفارس المغوار ، أم المغرم والمتيم ببديع حسنها . لقد كان نكرة لكنه يملك سلطانا . وكل هاته المزايا لم تكن تعني شيئا للشاعرة . سنعرف الأسباب فيما بعد. فلا تتعجلوا أيها القراء الأعزاء.

فدعونا نتابع القراءة :
أنا تلك البتلة في وسط الصحراء
تشتهي بقوة قطرة ترياق
….الدمعة الحزينة
أوجاعي كبيرة

الشاعرة فتحت لنا كتاب حياتها وقالت لنا: هيا تأملوا وأقرؤا صفحاتي . إنها الزهرة الفاتنة في صحراء قاحلة، تكاد تذبل من الحر و القحل. يقتلها الشوق لقطرة من ماء زلال.
قلبها يرتجف و يحتضر و دمع حارق من التوق ينهمر . أوجاعها لا تحصى و لاتعد . ما بك أيتها الشاعرة ؟ أثرت شفقتي و يكاد أمركِ يبكينى! أراك بالنهار تضحكين و بالليل تبكين !.

لنكمل معا رغم الوجع :
شفائي بسمة
دوائي قبلة
ترياق الحياة ضمة

الشاعرة بعد أن شخصتْ مرضها، وصفتْ علاجها . فهي بحالها عارفة وعالمة .
إنها تطلب السهل الممتنع ، الأحاسيس الصادقة والعواطف الجياشة .
دوائها بسمة من عينيّ الحبيب ، تشرقُ ظلمات روحها الكئيبة.
دوائها قبلة من شفتي الحبيب، تبرأ أسقام قلبها المكتوي.
دوائها ضمة بين أحضان الحبيب، تدفىء جسدها العليل.

لنتابع السير سويا :
أنا الروح الراحلة
بدونك راهبة
برزخ فيه روحي نائمة
جسد المرأة النائمة
يمشي والأدعية صارخة

في هاته الأسطر عادت الشاعرة بالخطاب لذاك السيد المجهول . إنها بدون العشق أشبه براهبة في دير، تلك التي تقهر قلبها لتهب نفسها لخدمة اليسوع المسيح عليه السلام كما تعتقد.
الشاعرة بلا روح و لا جسد، فهما يتوجعان و يصرخان . فالروح خاوية من العطف و الجسد ينتفض رغبة وشهوة . إنها معاناة النفس بأتم معاني الكلمة.
ترى لم الشاعرة تخاطب هذا الرجل بهاته الصيغة؟ ماذا كان يريد منها ؟وماذا كانت تريد منه؟ سنفهم هذا لاحقا. فلنكمل معا الآبيات الآتية :
أيا متاهتي
كفاك عني لأني
إمرأة تعشق بتأني
يا سم تغلغل في شرياني
.

عن أوسيمة فودة

شاهد أيضاً

خاطرة :حسن البوريني

خاطرة … طالعتُ بالرغم عن نظري الضعيف ، أنثى ، وما هي بالجميلة مُطلقاً . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by wp-copyrightpro.com