الرئيسية / قصة قصيرة / رواية النفـــق : سليم عوض علاونه

رواية النفـــق : سليم عوض علاونه

 

” الإهــداء “

إلى شهداء الأنفاق المظلمة ..
ليست الأنفاق المادية فحسب أعني
ولكن تلك الأنفاق المعنوية أيضاً .

إهداء خاص

إلى عزيزتي الغالية ..
التي تسألني دائماً وبإلحاح ..
ماذا كتبت أخيراً ؟..
فتستفزني .. وتدفعني للكتابة ..

المؤلف / سليم عوض علاونه



في وقت ما .. عاش الناس في نفق طويل مظلم …

مات البعض وعاش آخرون ليرووا قصة ظلمة ذلك النفق .

المؤلف / سليم عوض علاونه .
———————————–

( النفق )
” الجزء الأول “

-1-
سارت المرأة برفقة الرجال الثلاثة … أحدهم كان يمسك بيدها يرشدها إلى الطريق .. لم يكن بها حاجة لأن يمسك بيدها وأن يساعدها أحد على السير .. فهي لم تكن كفيفة .. ولكنها كانت معصوبة العينين .
عصبة سوداء كثيفة ربطت على عينيها لتحجب عنها الرؤية .. الآخران كانا يتبعان المرأة كأنهما يحرسانها ، أو لعلهما كانا يخافان فرارها ! .
لم تكن وجوههم واضحة المعالم بشكل كافٍ ، فالمكان موحش شبه معتم ، ولكن ذلك لم يمنع أن تظهر بعض المعالم على وجوه الرجال الثلاثة .
فعلامات القسوة والتجهم تسيطر على وجوههم .. لعلها ضربات بآلات حادة قديمة خلفت آثارها التي لم يستطع الزمن أن يمحوها .. وتراكمت إلى جانبها آثارٌ حديثة لضربات أخرى .
أحد الرجال كان فاقداً لإحدى عينيه ، يبدو أن ذلك قد حدث على إثر مشاجرة أو حادث مخيف ، دلت عليه تلك الجروح التي بدأت من فوق الحاجب مروراً بالعين وانتهاءً بأسفل الذقن .
الآخر كان مشوه الوجه بشكل مخيف ، إذ يبدو أن ” ماء النار ” قد ألقي في وجهه، أو أن حريقاً قد التهم الوجه فغير معالمه إلى بقع مختلفة الألوان والأشكال ، بينما كان يتعثر في مشيته ويعرج بشكل واضح أثناء السير ، ويبدو أن إحدى قدميه قد أصيبت في حادث ما بإصابات بليغة .
الثالث كان بنصف أنف ، نصف أذن ، نصف شفة ، كان كرفيقيه الآخرين يميل إلى السمنة والضخامة وطول القامة ، بحيث بدت المرأة بينهم كطفلة صغيرة .
الرجل الذي كان يمسك بالمرأة بيد ويقودها كان يحمل باليد الأخرى مظروفاً كبيراً يخفي ما بداخله .. بينما كان يجتاز الطريق الوعرة شبه الخالية وهو يسحب المرأة .
الآخران كانا يحملان بأيديهم أشياء وأشياء لا تظهر معالمها لا لشيء إلا لأنها كانت داخل أكياس كبيرة من الخيش والقماش .
المرأة التي كانت تسير برفقتهم وهي معصوبة العينين .. كانت تميل إلى القصر .. نحيلة الجسم ، تسير الهوينى ببطء شديد مما كان يضطر الرجل الذي يمسك بيدها أن يدفعها إلى السير دفعاً بين الفينة والأخرى ليحثها على الإسراع ، ويبدو أنه كان في عجلة من أمره .
المرأة كانت تضع وشاحاً على رأسها يتدلى على صدرها .. تلبس ” جلباباً ” يغطي جسدها حتى أخمص قدميها ، ومما كان يحد من سيرها ويعيقه ذلك الجنين المكور داخل أحشائها ، والذي يدق جدار البطن متمرداً على سجنه محاولاً التحرر من قيوده .
كانت المرأة تتوقف للحظات لتلتقط أنفاسها وتمسح العرق الذي غطى وجهها ، ثم تضع كلتا يديها على بطنها تتحسسه وكأنها تهدئ من عربدة وروع الجنين المتمرد داخل أحشائها .
لم يلبث الموكب أن توقف عن السير ، عادت المرأة لتلتقط أنفاسها اللاهثة المتلاحقة، وتمسح حبات العرق المنهمرة من الوجه كالمطر ، حاولت أن تمد يدها لرفع العصبة عن عينيها فنهرها أقربهم إليها بشدة وحذرها من إعادة المحاولة .
تلفت الرجال يمنة ويسرة عدة مرات ، ولم يلبثوا أن اندفعوا ناحية أحد المنازل النائية وهم يدفعون المرأة دفعاً وكأنهم يخشون أن يلاحظهم أحد ، فكادت المرأة أن تسقط على الأرض ، ولكنها تمالكت نفسها واستندت إلى الذراع القوية التي كان صاحبها يطبق على يدها بقوة ، واستأنفت السير .
دلف الجميع إلى المنزل شبه المهجور ، وصل إلى مسامعهم صوت رجل هرم وهو يسعل سعالاً غريباً متوالياً مستفسراً عن القادمين ، ارتفع صوت أحدهم بكلمات غريبة مبهمة استعصى على المرأة فهم معانيها وكأنها طلاسم أو بلغة ” الشيفرة “، لم يلبث سعال الرجل الهرم أن هدأ قليلاً ، وكف عن السؤال والتساؤل .
نهض الرجل الهرم من مكانه وهو ما زال يسعل سعالاً متقطعاً ويلهث بصوت مرتفع بينما كان يحمل في يده سيجارة غريبة الشكل والرائحة ، يضعها بين شفتيه بين الفينة والأخرى ، ولا يلبث أن ينفث دخانها الغريب في الهواء بشكل عجيب ! .
تقدم الرجل الهرم من المرأة ، وقبل أن يمد يديه نحو وجهها ليرفع العصبة عن عينيها ، تساءل من بين الدخان واللهاث والسعال بأنفاس متقطعة :
– كله تمام ؟!
أجابه أحد الرجال بصوت متهدج غليظ :
– كله تمام يا ” معلم ” .
لم يلبث الرجل الهرم ” المعلم ” أن مد يديه نحو وجه المرأة وراح يرفع العصبة عن عينيها بيديه المرتجفتين وأنفاسه اللاهثة حتى تمكن من إنهاء المهمة .
تمد المرأة بكلتا يديها نحو وجهها وعينيها ، محاولة أن تفتح عينيها وأن تبعد عن وجهها رائحة الدخان الكريه ، راحت تفتح عينيها ثم تغمضهما عدة مرات بمساعدة اليدين، ثم أخذت تمسح العيون والجفون وتحاول أن تزيل عنها سيول العرق المنهمرة .
تلفتت حواليها عدة مرات ، راحت تحدق في المكان ، شعرت باالوحشة ، انتابها شيء من الخوف والرهبة ، أصابتها القشعريرة .. اضطربت .. ارتعشت .. ازداد انهمار العرق من الوجه والجسد .
صوت أجش مخيف يحاول تهدئتها !
– لا تخافي أيتها السيدة .. لا تخافي .. استريحي قليلاً هنا حتى نعود إليك .
جلست في المكان متهالكة .. حاولت أن تتمالك نفسها الجزعة وأنفاسها المضطربة بقدر المستطاع .. أخذت تنتظر وتنتظر .. طال بها إلى الانتظار كثيراً ولم يحضر إليها الرجال لإتمام الأمر ..
ساعات طوال حتى كاد أن ينتصف النهار .. تنازعها مختلف الأفكار وشتى الخواطر .. لم تدر ماذا يجب عليها أن تفعل ؟! .. هل انتظر ؟ .. هل تفر من هذا المكان اللعين ؟ .. لقد كان الانتظار صعباً جداً عليها .
بعد أن أصابها اليأس .. تناهى إلى مسامعها صوت أقدام تقترب من المكان ، استعادت شيئاً من رباطة جأشها .. ولملمت أطراف نفسها المنهارة . دخل إلى المكان مجموعة الرجال .. نظر أحدهم نحوها .. هتف كفحيح الأفعى :
– أرجو أن تكوني قد ارتحت ؟! .
لم تجد في نفسها القدرة على الرد بأي كلمة أو حرف .
يومئ لآخر إيماءة ذات معنى ومغزى غاب عن المرأة إدراكه أو ملاحظته ، يتقدم الآخر منها وهو يحمل كوباً يبدو أنه عصير ، يناوله للمرأة بيد معروقة خشنة :
– اشربي يا سيدتي هذا العصير .. فهو سيهدئ من روعك .. ويهدئ أعصابك كثيراً .. وهذا شراب ضيافتك عندنا .. فنحن نعرف واجب الضيافة جيداً ؟! .
تناولت المرأة الكوب بيد مضطربة مرتعشة ، أدنته من فمها ، فهي تشعر بالظمأ الشديد والجفاف في الحلق ، رغم ذلك فإنها رفعت الكوب عن فمها بعد أن ارتشفت منه رشفة صغيرة ، فلقد وجدت أن له رائحة وطعماً غريبين .. حثها أحدهم :
– اشربي يا سيدتي .. إنه شراب لذيذ .. منعش ، ولتعذرينا يا سيدتي ، فإن كل ما في الأمر أنه شراب محفوظ وليس طازجاً .
عادت المرأة إلى رفع الكوب إلى فمها مرة أخرى بتردد .. أدنته من شفتيها .. ارتشفت رشفة صغيرة .. حثها الرجال بالاستمرار في تناول الشراب ، هتف أحدهم بصوت كفحيح الأفعى :
– هيا يا سيدتي .. اشربي هذا الشراب بسرعة .. نريد أن ننهي الأمر، ولا داعي للتأخير أكثر من هذا .
حسماً للأمر .. شربت المرأة ما تبقى في الكوب دفعة واحدة بعد أن أغمضت عينيها وأنفها ، حتى لا ترى الشراب وحتى لا تشم رائحته ، ولم يلبث أن سقط الكوب من يدها على الأرض .
تمايلت المرأة ، أحست بدوار شديد ، كادت أن تسقط على الأرض ، امتدت نحوها أيدي الرجال تحاول إسنادها ومنعها من السقوط على الأرض ، شعرت المرأة بغشاوة تغطي عينيها ، لم تكن عصبة من قماش أسود كتلك التي كانت ، ولكنها بدأت ترى الرجال كأشباح والأشياء تتراقص من حولها .
أجلسها أحد الرجال على مقعد متهالك بينما راح الآخران يعدان لوحاً خشبياً وضع على الأرض ، فلما تم لهما إعداد ما أرادا ، أصدر أحدهما الأمر إلى الرجل الذي وقف إلى جانب المرأة يأمره بالتحرك :
– هيا .. هيا بسرعة .. 
اقترب الرجل من المرأة أكثر .. مد يده نحوها يحاول مساعدتها على النهوض عن المقعد المتهالك ، ساعدها على الوقوف والسير قليلاً ثم الرقود فوق اللوح الخشبي .
استلقت المرأة على ظهرها ووجهها إلى الأعلى ، راح الرجال يقيدون اليدين والقدمين إلى اللوح الخشبي ، شدوا وثاق يديها بحزام جلدي كبير عريض ، وحزام آخر شدوا به وثاق القدمين ، وثالث في الوسط .
كل هذا وذاك كان يحدث أمام عيني المرأة كأنه حلم .. كابوس ، أو كأنه يحدث لشخص آخر وليس لها .. فلقد شعرت بأنها خائرة القوى .. لا تستطيع أن تحرك يداً أو قدماً ، أو حتى اللسان .
حمل الرجال الثلاثة على أكتافهم اللوح الخشبي الذي كانت تستلقي عليه المرأة ، ساروا عدة خطوات ، دلفوا إلى مكان آخر أشد وحشة ، ساروا قليلاً، ثم توقفوا وأنزلوا الحمل عن أكتافهم على الأرض .
تقدم أحدهم إلى الأمام قليلاً يحاول اكتشاف الطريق ، سار خطوات قليلة ثم توقف، جلس القرفصاء .. نظر نحو الأرض .. مد يديه وراح يزيل بعض التراب المتراكم .. إلى أن ظهر غطاء إسمنتي كبير يشبه إلى حد كبير غطاء فوهات ” مناهل ” شبكات الصرف الصحي .
تقدم آخر منه وساعده على رفع الغطاء من مكانه ، فتمكنا من ذلك بعد عدة محاولات ، فطهرت فوهة الحفرة المظلمة الموحشة ، نهض الرجلان من مكانيهما ، عادا أدراجهما نحو الرجل الثالث والمرأة الممددة فوق اللوح الخشبي ، حمل ثلاثتهم اللوح والمرأة ، حتى وصلوا ناحية مدخل الحفرة الذي تم رفع الغطاء عنه .
أنزل الثلاثة الحمل إلى الأرض ، اقترب أحدهم ناحية فوهة الحفرة ، جلس القرفصاء إلى جانب الفوهة ، لم يلبث أن دلى قدميه في الحفرة ، يبدو أنه قد وضعها على ما يشبه السلم الحديدي الصغير المثبت داخل الحفرة ، بدأ ينقل قدميه الواحدة تلو الأخرى داخل الحفرة ، هبط فيها إلى وسطه .. إلى صدره .. إلى رقبته ، ثم إلى رأسه حتى اختفى تماماً داخل الحفرة .
لحظات قليلة تحرك بعدها الرجلان بعد أن سمعا صفيراً مميزاً يأتي من داخل الحفرة ، فحملا اللوح الخشبي الذي شدت إليه المرأة ، أحدهما من الجانب الأمامي ، والآخر من الجانب الخلفي ، حتى وصلا فوهة الحفرة .
الرجل الذي كان يحمل اللوح من ناحية قدميّ المرأة كان الأقرب إلى الفوهة، وضع الجانب الذي يحمله على حافة الفوهة ثم بدأ يدليه داخل الحفرة بالتدريج يساعده في الأمر الرجل الثاني في الطرف الآخر .
شيئاً فشيئاً .. أخذ اللوح الخشبي الذي يحمل المرأة في الولوج داخل الحفرة ، ويغيب داخلها حتى انتصف تقريباً ، سارع الرجل القريب من فوهة الحفرة بمساعدة زميله بالتشبث باللوح من الطرف الآخر وإنزاله ببطء شديد إلى الأسفل .
اختفى اللوح الخشبي أو كاد داخل الحفرة وما زال الرجلان يتشبثان به بقوة وينزلانه ببطء ، فلما تم لهما ذلك ، راح كل منهما يمسك بحبل قويّ طويل مثبت بطرفيّ اللوح وراحا يرخيان الحبل بحرص شديد ، إلى أن أحسا بأنهما قد أنهيا المهمة ، وتأكدا من ذلك بالفعل عندما وصل إلى مسامعهما صفير مميز يصدر من زميلهما الثالث الموجود داخل الحفرة ، وقفا للحظات يلهثان ويحاولان استرداد أنفاسهما ويمسحان العرق عن وجهيهما بأطراف أكمامهما .
داخل الحفرة ، كان الرجل الثالث يقوم بعمل الترتيبات النهائية اللازمة وذلك على ضوء مصباح كهربائي يدوي .. قام بوضع اللوح الخشبي الذي كانت المرأة مثبتة إليه بقوة ، قام بوضعه على قضبان حديدية تشبه قضبان السكك الحديدية ، ولكنها كانت بشكل مبسط وبدائي ، ثم قام بدفع اللوح الخشبي فأخذ يسير على عجلات بدائية كانت معدة مسبقاً لهذا الغرض ، والتي كانت تشبه إلى حد ما عجلات القطار ولكن بشكل مصغر بدائي وسيئ.
أصدر حركة ما من طرف الحبل المتين الذي كان يمسك به ، وسرعان ما بدأ اللوح الخشبي في التحرك داخل النفق في الاتجاه الآخر ، ولم يلبث أن غاب في الظلمة الحالكة داخل النفق .
تململت المرأة قليلاً .. فتحت عينيها ببطء ثم أغلقتها .. كررت الأمر عدة مرات ، بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها ، وبدأت الوحشة تسيطر على حواسها بعد أن أصبحت وحيدة داخل النفق ، أحست أن دقات قلبها تزداد ضجيجاً فأصبحت كقرع الطبول في مجاهل غابات أفريقيا ، أحست بقشعريرة غريبة تغزو أوصالها ، وشعرت بضيق في الصدر وصعوبة في التنفس ، فانهمر العرق غزيراً من شتى أنحاء جسدها . 
ازداد المكان كآبة ووحشة بعد أن تحول النفق إلى ظلام دامس مخيف وبعد أن ارتفع صرير العجلات الحديدية وهي تصطدم بالقضبان الحديدية الصدئة ، فتصطك بها بقوة وتحدث صريراً مخيفاً .
حاولت أن تصرخ فلم تستطع لأنها شعرت أن لسانها أصبح في ثقل جبال الهملايا .. حاولت أن تتحرك فأحست أنها أصبحت باردة كثلوج المتجمدين الجنوبي والشمالي .. رائحة الرطوبة الغريبة تغزو خياشيمها فتثير في نفسها الغثيان والدوار العنيف ، وتشعر بميل شديد إلى التقيؤ .. ولم تلبث أن فعلت ذلك .
لم تسطع أن تنظف آثار القيء عن وجهها وصدرها وجسدها لأن يديها كانتا مكبلتين إلى اللوح الخشبي بقوة ، أغلقت عينيها .. فتحتهما .. أغلقتهما ببطء ..

عن أوسيمة فودة

This site is protected by wp-copyrightpro.com