الرئيسية / قصة قصيرة / (( بـــــــــــــــراءة )) قصة قصيرة  بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )

(( بـــــــــــــــراءة )) قصة قصيرة  بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )

عزيزي القارئ … سأقدم لك هذه المرة وجبة عشاء / غداء دسمة … مع وجبة حرف وكلم خفيفة ..

تنويه :
النص بريء جداً .. اجتماعي جداً … وليس له أي بعد سياسي ..
اللهم إلا إذا رأى القارئ ( المتلقي ) غير ذلك ؟؟!!
( الكاتب )
—————————–

(( بـــــــــــــــراءة ))
عرفتهم فعرفت فيهم البساطة والبراءة ، – ولن أقول بأي حال من الأحوال ( السذاجة ) – ، أسرة ارتبطت بالأرض ارتباطاً وثيقاً .. وارتبطت بالعمل فهم لا يكلون ولا يملون .
في أطراف قريتنا كانوا يعيشون ، يزرعون الأرض المعطاء بكل أنواع الفواكه والخضار ، فتحسب أرضهم قطعة من الجنة .
كانت فرحتهم شديدة عندما وصلتهم المياه من الصنبور ، وكانت الفرحة أعظم يوم أضيء منزلهم المتواضع بالكهرباء ، ، وكانت سعادتهم وفرحتهم أعظم وأعظم بكثير عندما ابتاع لهم الأب جهاز التلفاز الملون .
كنت أتردد عليهم في زيارات متقطعة بحكم الجوار والصداقة ، فكنت ألمس فيهم البساطة بأجل معانيها ، وأعهد البراءة بأسمى آياتها ، فأردد بيني وبين نفسي : ” بأن الدنيا ما زالت بخير ” .
أصر رب الأسرة على حضوري في اليوم التالي إلى منزلهم لحضور حفل غداء يجتمع فيه الأهل والجيران والأصدقاء ، بطبعي لم أسأله كثيراً عن الأسباب والمسببات ، المناسبة أو المناسبات ، واكتفيت بقبول الدعوة لحفل الغداء في اليوم التالي .
لم أجد غضاضة في اصطحاب بعض الأصدقاء إلى الوليمة ، خاصة وأن هؤلاء الأصدقاء كانوا من الأصدقاء الحميمين للأسرة أيضاً ، وكانوا ممن وجهت لهم الدعوة لحضور حفل الغداء .
أبى المضيف إلا أن يجلسنا في مكان قريب منه .. بل إلى جانبه ، راح يمطرنا بعبارات الترحيب التي لا تنتهي ، والمجاملات البريئة والابتسامات العذبة النابعة من القلب ، وحتى لا نشعر بالملل لحين حضور الطعام ، راح يحدثنا بأسلوب مرح فكه .. وهو يوجه حديثه لي بشكل خاص :
– تصور يا أستاذ .. تصور أن زوجتي أبت إلا أن تقوم بعمل هذه الوليمة إكراماً لهما !! ، فهي قد أحبتهما كثيراً ، وتعاطفت معهما ، إنهما ” وحيد ” .. و ” ساميه ” .. لقد أحبتهما زوجتي كثيراً ، وعاشت معهما لحظة بلحظة قصة حياتهما ، إذا سهرا سهرت ، إذا سعدا سعدت ، إذا أرقا أرقت ، وإذا تألما بكت وانتحبت .
– لقد أقسمت أغلظ الأيمان ، وأخذت على نفسها عهداً أن تقوم بعمل وليمة ضخمة تدعو إليها أبناء القرية ونسائها إذا تم للشابين الزواج ، وها هي تبر بقسمها وتفي بعهدها وتقيم هذه الوليمة وتدعوكم جميعاً إليها .
في بعض الليالي .. وفي أعماق الليل ، كنت أستيقظ على زوجتي فأراها غارقة في الدموع .. تجهش بالبكاء كمن فقد عزيزاً غالياً .. أنهض من فراشي .. أواسيها .. أخفف عنها ، أكفكف دموعها ، أطيب خاطرها .. إلى أن تهدأ ، فأستفسر منها عن سبب البكاء المر الأليم ، فتجيبني من بين الدموع بأن الظروف القاهرة وقفت حائلاً دون لقاء ” وحيد ” و ” ساميه ” وأنها رأت ” ساميه ” تبكي للموقف بحرقة ، فتأثرت بها وبكت .
في ليالٍ أخرى كنت أستيقظ من نومي على صوت ضحكات وسرور وهناء ، وأفتح عينيّ لأرى زوجتي وهي تبتسم ، تضحك .. تقهقه بسعادة ، فأستفسر منها عن الأمر ، فترد عليّ بأن ” وحيد ” و ” ساميه ” قد التقيا مرة أخرى ، وتؤكد بأنها رأت بريق السعادة في عينيهما ، ورأتهما يضحكان فرحين مسرورين ، فسعدت لسعادتهما وضحكت لضحكاتهما .
ما يقارب الشهر ، وأنا أرى زوجتي مشدودة منفعلة بين فرح وترح ، سرور وشقاء ، سعادة وبكاء ، إلى أن انتهت المشكلة .. مشكلة ” وحيد ” و ” ساميه ” أخيراً ، وتم اللقاء بينهما ، وتم الزواج ، ولم تجد زوجتي بداً والحال كذلك من الوفاء بالتزامها وقسمها ، وعمل الوليمة التي تعهدت بالقيام بها إذا تم الزواج .
أنهى مضيفنا حديثه وهو يبتسم ابتسامة عريضة ، بدوري لم اكن أعرف من هو ” وحيد ” أو من هي ” ساميه ” ، ولكنهما بالتأكيد وحسب اعتقادي كانا أحد أبناء العائلة والأسرة .
وصل الطعام تسبقه رائحته اللذيذة ، أبى المضيف إلا أن يقدم لي الطعام بيديه ، ناولني قطعة لحم لا باس بها، وقبل أن أضعها في فمي بادرته :
– دعني أقدم لك التبريكات والتهاني بمناسبة زواج ابنك ” وحيد ” .
نظر المضيف نحوي بغرابة والابتسامة الجذلة تملأ وجهه :
– وحيد لي ابني يا أستاذ .
تداركت بأنني قد أخطأت بعض الشيء بالأمر ، إذ يبدو بأنه قد أقام الوليمة لابنته العروس ، وليس لابنه .. فتداركت الأمر بسرعة :
– معذرة سيدي .. إذاً دعني أقدم التبريكات والتهاني بمناسبة زواج ابنتك الغالية ” ساميه ” .
بادرني المضيف بابتسامة أعظم وأكبر :
– أيضاً ” ساميه ” ليست ابنتي .
شعرت بالحرج الشديد .. إذ يبدو بأنهما من أبناء العائلة وليسا من أبناءه .. بادرته :
– على كل حال فإن فرح العائلة هو فرح الجميع ، وفرحتك أنت أيضاً .. ” وحيد ” هو ابنك لأنه ابن العائلة .. و ” ساميه ” ابنتك لأنها ابنة العائلة .
أصبح وجه المضيف كله ابتسامة .. غطته الابتسامة بالكامل :
– لا يا أستاذ .. هما ليسا من أبناء العائلة .
شدهت للأمر .. توقفت قطعة اللحم في يدي ..
– إذاً .. هما أبناء الجيران ؟؟
– ولا هذه يا أستاذ ‍‍‍‍..
– إذاً .. هما من أبناء القرية .
– ولا هذه أيضاً .
– إذاً .. أخبرني بالله عليك من هما ” وحيد ” و ” ساميه ” ؟؟‍‍!!
– نظر المضيف نحوي بتعجب واستغراب وعتاب :
– ماذا بك يا أستاذ ؟؟‍‍ .. إنك تدعي بأنك مثقف .. مطلع ..
– وما شأن الثقافة والاطلاع بهذا الزواج ؟؟‍‍!!
– لهما شأن كبير ..
– وكيف ذلك بالله عليك ؟؟‍‍!!
– ألا تشاهد التلفزيون يا أستاذ ؟؟‍‍!!
– أشاهده طبعاً ..
– ألم تشاهد المسلسل المسائي الأخير ؟؟‍
– شاهدته فعلاً ..
– ألم تشاهد الشاب والفتاة أبطال المسلسل ؟؟
– نعم .. رأيتهما .. ما شأنهما ؟؟!‍‍
– ما شأنهما ؟؟‍!!‍ .. إن لهما كل الشأن .. إنهما بطلا المسلسل الذي أقسمت زوجتي إلا أن تقيم الوليمة ابتهاجاً وفرحاً بزواجهما في نهاية المسلسل ؟؟‍‍!! .

عن أوسيمة فودة

This site is protected by wp-copyrightpro.com